ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )
58
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )
عندهم على نفي ما عدا المذكور ، لأنه متى كان للتخصيص بالذكر سبب غير الاختصاص بالحكم لم يكن المفهوم مرادا بالاتفاق ، وليس المراد بالآيتين إثبات الصفة حتى يكون تخصيص أحد الأمرين بالذكر مرادا ، بل المقصود حكم آخر وهو إثبات تفريط العبد في حق اللّه تعالى ، وبيان سجود الخلائق إذا كشف عن ساق . وهذا حكم قد يختص بالمذكور دون غيره فلا يكون له مفهوم . ( الرابع ) هب أنه سبحانه أخبر أنه يكشف عن ساق واحدة هي صفة ، فمن أين في ظاهر القرآن أنه ليس له سبحانه إلا تلك الصفة الواحدة ، وأنت لو سمعت قائلا يقول : كشفت عنى عيني وأبديت عن ركبتي وعن ساقي ، هل يفهم منه أنه ليس له إلا ذلك الواحد فقط ، فلو قال لك أحد لم يكن هذا ظاهر كلامه فكيف يكون ظاهر أفصح الكلام وأبينه ذلك . ( الخامس ) إن المفرد المضاف يراد به أكثر من واحد ، كقوله تعالى : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ سورة إبراهيم : 34 ] وقوله : وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ ( سورة التحريم : 12 ) وقوله أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ ( سورة البقرة : 1 ) فلو كان الجنب والساق صفة لكان بمنزلة قوله : بِيَدِهِ الْمُلْكُ ( سورة الملك : 1 ) و بِيَدِكَ الْخَيْرُ ( آل عمران : 26 ) و وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي ( سورة طه : 39 ) . ( السادس ) أن يقال : من أين في ظاهر القرآن إثبات جنب واحد هو صفة للّه ؟ ومن المعلوم أن هذا لا يثبته أحد من بني آدم ، وأعظم الناس إثباتا للصفات هم أهل السنة والحديث ، لا يثبتون أن اللّه تعالى جنبا واحدا ، ولا ساقا واحدا . قال عثمان بن سعيد الدارمي في نقضه على المريسي « 1 » :
--> ( 1 ) المريسي : هو بشر بن غياث المريسي ، مبتدع ضال ، تفقه أول أمره على قاضى القضاة أبي يوسف صاحب أبي حنيفة ، غير أنه لما أظهر قوله بخلق القرآن هجره أبو يوسف ، وأتقن علم الكلام ، ولم يدرك جهم بن صفوان ، ولكنه أخذ مقالته واحتج بها ، ودعا إليها ، وزعم أن السجود للصنم ليس بكفر ولكنه دلالة على الكفر ، وحدث البويطي قال : سمعت الشافعي يقول : ناظرت المريسي في القرعة فذكرت له فيها حديث عمران بن حصين ، فقال : هذا قمار ، فأتيت أبا البختري القاضي وحكيت له ذلك ، فقال : يا أبا عبد اللّه ، شاهد آخر وأصلبه ، وأخذ في أيام دولة الرشيد رحمه اللّه ، وأوذى لأجل